عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
150
اللباب في علوم الكتاب
وقال الكسائي : « خسأت الرجل خسأ ، وخسأ هو خسوءا » ، ففرق بين المصدرين . والخسوء : الذّلة والصّغار والطرد والبعد ، ومنه : خسأت الكلب قال مجاهد وقتادة والربيع : وهي لغة « كنانة » . وقال أبو روق : يعني خرسا لقوله تعالى : اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [ المؤمنون : 108 ] والمراد من هذا الأمر سرعة التكوين لا نفس الأمر . روي عن مجاهد رضي اللّه عنه أن اللّه - تعالى - مسخ قلوبهم يعني : بالطّبع والختم ، إلا أنه مسخ صورهم لقوله : كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [ الجمعة : 5 ] وهذا مجاز ظاهر [ مشهور ] « 1 » . فصل في المقصود من ذكر هذه القصة والمقصود من ذكر هذه القصّة أمران : الأول : إظهار معجزة سيدنا محمد - صلّى اللّه عليه وسلم - لأنه كالخطاب لليهود الذي كانوا في زمانه ، فلما أخبرهم - عليه الصّلاة والسّلام - عن هذه الواقعة مع أنه كان أميا لم يقرأ ولم يكتب ، ولم يخالط القوم - دلّ ذلك على أنه إنما عرفه بالوحي . والثاني : أنه - تعالى - لما أخبرهم بما عاجل به أصحاب السّبت ، فكأنه يقول لهم : لا تتمردوا ولا تغتروا بالإمهال ، فينزل بكم ما نزل بهم ، ونظيره قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً ظلما مَعَكُمْ مِنْ قبلكم أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها [ النساء : 47 ] الآية . فإن قيل : إنهم بعد أن صاروا قردة لا يبقى لهم فهم ، ولا عقل ، ولا علم ، فلا يعلمون ما نزل بهم من العذاب ، ووجود القرديّة غير مؤلم . فالجواب : لم لا يجوز أن يقال : إنّ الذي كان إنسانا عاقلا فاهما كان ثابتا لم يتغير ، وإنما تغيرت الصورة فلم يقدر على النّطق والأفعال الإنسانية ، لكنها كانت تعرف ما نالها من تغير الخلقة بسبب المعصية ، فكانت في نهاية الخوف والخجل ، وربما كانت متألمة بسبب تغير تلك الأعضاء ؟ . فإن قيل : أولئك القردة بقوا أو هلكوا ، فإن بقوا فالقردة الموجودون في زماننا هل يجوز أن يكونوا من نسلهم أم لا ؟ فالجواب : الكل جائز ، إلّا أن الرواية عن ابن عباس أنهم مكثوا ثلاثة أيام ، ثم هلكوا ولم يأكلوا ولم يشربوا ، ولم ينسلوا « 2 » .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند : 1 / 390 ، 413 ، 466 ، عن أم حبيبة ولفظه إن اللّه لم يمسخ شيئا فيدع له نسلا وقد كانت القردة والخنازير - والطبراني في الكبير 10 / 131 - وذكره السيوطي في الدر المنثور 2 / 295 .